مجموعة مؤلفين

63

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

بنوره الملأ الأعلى حتى أضاء وعلا ، ثم جعل ذلك النور أصلا لكل نور ، فهو أولهم في المسطور ، وآخرهم في الظهور ، وقائدهم في النشور ، ومبشرهم بالسرور ، ومتوجهم بالحبور ، فهو مستودع في ديوان الإنس ، مستقر في رياض الأنس ، وحضرة الأنس . ستر معنى روحانيته بستر جسمانيته ، وغطى عالم شهوده بعالم وجوده ، فهو مستخرج في الكون ، مستنبط لأجله الكون . إن اللّه تعالى كون الأكوان اقتدارا عليها ، لا افتقارا إليها . وكمال حكمته في التكوين وذلك لإظهار شرف الماء والطين ، فإنه أوجد ما أوجد ولم يقل في شئ من ذلك إني جاعل في الأرض خليفة ، وكان وجود الآدمي ، فكانت حكمته في وجود الآدمي لإظهار شرف النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لأنه حكمة الأجساد لاستخراج كاف الكنزية « كنت كنزا مخفيا لا أعرف » ، فكان المقصود في الوجود معرفة موجدهم سبحانه ، وكان المخصوص بأتم المعارف قلب سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم : لأن معارف الكل كانت تصديقا وإيمانا ، ومعرفته صلى اللّه عليه وسلم مشاهدة وعيانا ، وبنور معرفته صلى اللّه عليه وسلم تعرفوا ، وبفضله عليهم اعترفوا ، فاستخرجه من لباب حبة « كن » « كزرع أخرج شطأه فآزره » بصحابته ، « فاستغلظ » بقرابته ، « فاستوى على سوقه » بصحة ذوقه ، وقوة توقه وشوقه ، فلما ظهر هذا الغصن المحمدي وسما ، أورق عوده ونما ، وانهل عليه سحاب القبول وهمى ، وتباشر بظهوره الحدثان ، وبشر بوجوده الثقلان ، وتعطرت بقدومه الأكوان ، وانتكست بمولده الأوثان ، ونسخت بمبعثه الأديان ، ونزل بتصديقه القرآن ، واهتزت طربا شجرة الأكوان ، وتحرك من الألوان والعيدان ، وكان من أغصان هذه الشجرة من أخذ ذات الشمال ، ومال يهوى الضلال ، فلما أرسلت رياح الإرسال برسالة « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين » استنشقها من سبقت لهم منا الحسنى ، فمال إليها متعطفا ؛ وأما من كان مزكوما ، أو من خلع القبول محروما ، فإنه عصفت به عواصف القدرة ، فأصبح بعد نضارته